الشيخ محمد تقي الفقيه
86
مبانى الفقيه
أما بناء على أن الإعراض موهن لجهة الصدور فواضح لإمكان إحرازها في بعض الفقرات دون البعض ، فقد يكون بعضها صادرا لبيان الواقع وبعضها صادرا على جهة التقية ، فإن العاقل قد يتكلم بكلام واحد ويقصد بكل فقرة أمرا من الأمور ، وحينئذ لا يلزم محذور التدافع الآنف لأن لكل فقرة أصل جهة يخصها كما أنها لها ظهور يخصها ، وإذا فرض أن فقرة منها واردة لبيان الواقع ، لا يلزم أن تكون الأخرى كذلك . وأما بناء على أن الإعراض يوهن أصل الصدور فكذلك ، لأن الظن ليس حجة بالذات بالضرورة ، ومن ثم أمكن فيه جعل الحجية نفيا وإثباتا ، وحينئذ فلا مانع عقلا من التفكيك في الحجية بين أنواع الظن من حيث السبب والمتعلق أو غيرهما ، فيكون حجة في حال دون حال وبلحاظ دون لحاظ ، ألا ترى أن البينة العادلة المؤلفة من رجلين حجة في جميع أبواب الفقه ، وأنها بنفسها ليست حجة في القذف بالزنا إلا بعد ضم شاهدين آخرين لهما ، وأن شهادة أربع من النسوة أو شهادة رجل وامرأتين تكفي لإنبات الحق المالي وأن ذلك لا يكفي في ثبوت الهلال ولا في ثبوت الوصية ، فالتفكيك في الإمارة ممكن وواقع في الشريعة ، وليكن ما نحن فيه منه إذا ساعد الدليل . وقد تحصّل أن السند يكون حجة إذا عمل المشهور بمروياته ، وأنه بنفسه لا يكون حجة إذا أعرض عنه المشهور ، وأن الفقرة التي أعرض عنها المشهور يكون الظن بصدورها ليس حجة ، والتي عمل بها المشهور يكون الظن بصدورها حجة وإن كان السند واحد ، فإن السبب وإن اتحد إلا أن المتعلق متعدد ، بل ربما نقول بجواز ذلك مع اتحاد السبب والمتعلق لاحتمال تعدد المناط من جهة لا يعرفها العبد ويعرفها المولى الحكيم ، ويكفي هذا المقدار في إثبات الإمكان .